تابعت باهتمام بالغ السجال والحراك الدائر حول أحد المؤسسات الخيرية العاملة في المملكة العربية السعودية والتهم الموجهة ضد مدير المؤسسة الدكتور عبدالله المرزوقي ذلك السجال الذي احتضنته القوائم البريدية وبات حديثا في بعض المجالس المهتمة بالشأن الخيري والعمل التطوعي في المملكة.
مثل هذه المواضيع لامست شيئا أساسيا من قضايا اهتماماتنا هذه الأيام وهي قضية المراجعة النقدية لأداء مؤسساتنا المتعددة بشقيها الرسمي والشعبي وقد ظهر الاهتمام الحكومي بأمر خادمين الحرمين الشريفين الملك عبدالله حين تم تشكيل أجهزة لمراقبة النزاهة وتم تشكيل فريق عمل على مستوى عالي لمتابعة التحقيق في حادثة سيول جدة وتم إسناد الأمر إلى كفاءات عالية في الدوائر المعنية بالأمر ولاحظنا كيف تم استدعاء أفراد من مراتب وظيفية عالية للتحقيق وتعرض بعضهم للإيقاف وتم نشر ذلك في وسائل الإعلام المختلفة.
وبحكم مشاركتي في عدد من المراكز التطوعية وعملي متعاونا مع عدد من المؤسسات المناحة والمؤسسات الخيرية فإن هذا الحراك يعود بي إلى الوراء إلى سنوات كثيرة خلت كان العمل الخيري فيها عملا مبنيا على الاجتهاد الفردي والمركزية الشخصية فالشخص الذي ينشئ المؤسسة الخيرية يكون رئيس مجلس الإدارة ويكون المدير التنفيذي ويكون المدير المالي ويكون رئيس العلاقات العامة وهلم جرا وصاحب هذه الفوضى أخطاء فادحة أدت إلى تجميد عمل بعض المؤسسات وإلغاء الأخرى وانتهى الأمر في بعض المؤسسات الخيرية أن تكدست الأموال في الحسابات بمئات الملايين من الريالات وحرم منها المستفيدون في الداخل والخارج.
مما لا شك فيه أن العمل الخيري في المملكة يعتبر واجهة مشرفة لعطاء الشعب المسلم النبيل ويعتبر مفخرة للدولة التي تحتضن هذا العدد الضخم من المؤسسات الخيرية التي لا نظير لها في أي دولة إسلامية أخرى كما أنها مفخرة وأجر عظيم للداعمين ورجال الأعمال والمحسنين.
لكن هذا لا يخلي واجبنا ومسؤوليتنا تجاه تصحيح مسيرة العمل الخيري وضبطه بالضوابط القانونية والإجرائية الحازمة التي تمنع وقوع التجاوز أو إساءة استخدام الصلاحيات الممنوحة وقد لاحظنا جميعا كيف وصلت أموال بعض التبرعات الخيرية إلى أيدي المطلوبين والذين قاموا باستخدامها في عمليات الإرهاب والتدمير ورأينا في الجهة الثانية من الصورة السلبية للأمر أشخاصا قاموا بتحويل أموال هذه المؤسسات الخيرية إلى حساباتهم الخاصة وكدسوا الثروات من ورائه ولعل أقرب دليل على ذلك قصة إمام أحد المساجد بجدة حين كان يجمع أموالا باسم جمعية البر ثم يحولها إلى حسابه الخاص والقضية الآن منظورة في هيئة التحقيق والادعاء العام بمحافظة جدة.
ولأنني قريب من هذا المجال وشاركت في عدد من ورش العمل المعنية بتطوير عمل المؤسسات الخيرية وشاركت أيضا في عدد من الاجتماعات الرسمية التي عقدتها وزارة الشؤون الاجتماعية بغية تنظيم عمل المؤسسات المانحة فإن التجاوزات الموجودة في المؤسسات العاملة في الشأن الخيري هي في غالبها تجاوزات فردية يقوم بها بعض الأشخاص المنتسبين إليها أو القائمين بها وهذا يدركه المسؤولون في الأجهزة الحكومية المعنية بمتابعة هذه القضايا لهذا نجد أن التحرك الذي تقوم به أجهزة الأمن يكون ضد أشخاص محددين ولا يكون ضد المؤسسة العاملة لإيمان الجهات الرسمية وولاة الأمر بالدور المهم والكبير الذي تضطلع به هذه المؤسسات العاملة في الشأن الخيري والتطوعي.
يجب علينا أن نفرق بين مؤسسات القطاع الثالث سواء كان مؤسسة مانحة أو منشأة خيرية أو لجان إغاثة أو مركزا للتطوع وبين بعض القائمين عليها أو العاملين فيها لأن هؤلاء قد يخطئ الواحد منهم أو يسيء استخدام منصبه أو وضعه وهنا يجب علينا قصر العلاج على الظاهرة المحددة بدون تعميم هذا الحكم على بقية الأفراد أو بقية المؤسسات المانحة.
لا أنكر أن هناك بعض القضايا المرفوعة والمنظورة في محاكم الرياض ضد الدكتور عبدالله المرزوقي بسبب مشاكل مالية في مؤسسة الإعمار وهي قضايا تعكر صفو عمل المؤسسة وتؤثر سلبا على مواردها المالية لأنها سوف تبعد شريحة مهمة من المتبرعين حين يعلمون بالأمر لكنها قضية ضد الدكتور عبدالله وليست قضية متعلقة بالمؤسسة فالمؤسسة لها وضع نظامي قائم وتعمل بموجب اللوائح التنظيمية والإجرائية المتعلقة بعمل المؤسسات الخيرية وتتبع رابطة العالم الإسلامي وتخضع لإجراءاتها ولوائحها التنظيمية ولها جهد مهم في إعمار المساجد وحفر الآبار وكفالة الأيتام وتنظيم الملتقيات الدعوية ودعم الكليات الشرعية عبر العالم.
وفي مثل هذه الحالات التي يتعرض فيها مدير إحدى المؤسسات الخيرية إلى تهم تتعلق بالذمة المالية أو رفع قضايا متعلقة بالحسابات فإنه يجب أن يبادر بالاستقالة فورا أو يتم كف يده عن العمل في الإدارة إلى حين الانتهاء من النظر في القضايا المرفوعة ضده لأن مثل هذه الإجراءات تزيد من كفاءة العاملين في المؤسسات الخيرية وتضعهم تحت مجهر المتابعة من مجالس الإدارة وتؤدي كذلك إلى رفع معدلات الشفافية والنزاهة وتزيد نقاء الصور النمطية عن العاملين فيها.
وجميعكم يعلم كيف انتهى أمر مؤسسة الحرمين الخيرية حين تم إسناد العمل بأكمله إلى شخص واحد وهو الشيخ عقيل العقيل وتفاقم الأمر وانصرف عنه الكثير من العاملين معه في اللجان المهمة بالمؤسسة مثل الدكتور سعد الحميد والشيخ منصور القاضي وغيرهم فقد وقفوا ضد السياسة الفردية والمركزية التي كانت تدار بها المؤسسة وهذه المبادرة التي بادروها وقاموا بها جعلتهم محط تقدير الجميع.
لهذا فإني أشد على يد أعضاء مجالس إدارة المؤسسات المانحة والمؤسسات الخيرية ولجان العمل التطوعي أن تمارس دورها الفعال والمباشر حين يتصل الأمر بالقضايا المالية لأن القضايا المالية هي عصب عمل هذه المؤسسات فيجب تطهير العمل الخيري من أي شبهة تتعلق به ومن الممكن أن تؤدي إلى تقليص موارده المالية أو تقلص حجم التدفقات النقدية الموردة من الداعمين لأن هذه الشبهات التي تدور حول بعض الأشخاص تؤثر بالضرورة سلبا على عمل بقية المؤسسات الخيرية وتؤدي إلى تشويه سمعة العاملين في هذا القطاع الحيوي والمهم من قطاعات العمل الإسلامي.
كما أني أؤكد وأؤيد وبصفة ضرورية وعاجلة كشف حسابات المدراء التنفيذيين المباشرين في المؤسسات المانحة والمؤسسات الخيرية وأن يكون هذا الحساب معلوما لدى أعضاء مجالس الإدارة لأن هذا أتقى لربهم وأنقى لدينهم وأبعد للشبهات عنهم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على سمعة الدعوة ويبعد أدنى الشبهات التي تدور حولها ولا ننسى كيف قال: "حسبكم إنها صفية" وذلك ليدفع ما قد يقع في النفوس من الريبة والشك والذي قد يتطور لاحقا ليكون حربا على الدعوة.
والله الموفق
إبراهيم القحطاني
مستشار اجتماعي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق